الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

مرحبًا..أيها الوحش!!




"لا أستطيع التوقف..أنا خائف
لا يمكنني السيطرة على نفسي.. ماذا أفعل؟
أنظر لي.. تذكرني! " * 


تبدأ قصتنا مع "إيي هيون" عالم الجريمة العبقري وهو يستعرض صور جريمة قتل، وصلته الصور مع رسالة بريد إليكتروني، وفيها دلائل على مكان الجريمة التالية..وبين الصور أيضًا رمز يرتبط بماضيه، كانت هذه الرسالة بمثابة دعوة له حتى يترك وظيفته كدكتور جامعي في هارفارد ويعود لكوريا. 

وبعد لقاء-أقرب للكوميدي- مع فريق التحقيقات المسؤول عن هذه القضية، يقول لنا أنه عاد ليستأنف قصته، التي تلاشي بعضها بين تلافيف ذاكرته بعد حادث مقتل أبيه... يعود لمنزله القديم ويحكى لنا بداية القصة، التي بدأت كما تبدأ كل الحكايات، بالفتى وعائلته، وبالأحرى أبيه، كان أبوه الطبيب النفسي مسؤول عن التعامل مع المجرمين في السجن، وأحد أولئك المجرمين هو "إيي جون-يونج" ..المجرم الخطير، المشتبه به في عدة جرائم قتل..أو بالأحرى في قضايا اشتباه بالقتل، فالقاتل لم يُخلف جثة بعد ارتكاب جريمته، لكن.. وفي قضية سرقة مثيرة للريبة، وُجِد الدليل الذي أوقع به.
كان والد "هيون" هو المسؤول عن التعامل مع هذا المجرم، وفي إحدى مصادفات القدر دخل الطفل لغرفة نقاش المجرم مع والده، أثناء خروج والده المؤقت منها .. ليتبادل حوارًا هادىءً مع المجرم ! 


هيون:" أنا أعرفك.. لقد رأيت صورتك مع والدي" 
جون-يونج:  "هل أنا مخيف؟"
هيون: "أنتَ لست مخيفًا..لكني أشعر بالفضول." 
جون-يونج: "بشأن ماذا؟" 
هيون: "كيف أصبحت شخصًا من هذا النوع ؟" 
جون- يونج: "أنا؟ ... وأي نوع من الأشخاص أنا؟" 
هيون: امممم... شخصٌ مختلفٌ عن الآخرين؟ 


حينها يحدثه جون-يونج عن صغار البط، وصغار القردة! وعن الساعات أو السنوات الأولى في حياة الحيوانات أ والإنسان، والتي اسماها "الفترة الحاسمة" حيث يتبرمج الدماغ على معلومات معينة ليس من السهل تغييرها.
للحوار بقية أيضًا، فيها يخبر كل منهما سرًا عنه للأخر، ويختتمان اللقاء بوعدٍ - لم نعرفه وقتها- يعده المجرم للطفل.



في الدراما، جرائم قتل كثيرة، لأن  الدراما لن تكمل الحلقات الستة عشر إن ظلت الحبكة الأساسية هي التي تُسيّر الأحداث فقط، بعض هذه الجرائم تمت بصلة لـ "هيون" وقصته، وبعضها لا.. رغم ذلك لم أشعر بالملل أثناء المشاهدة، وربما يساعد على ذلك وجود بعض الرومانسية والمقاطع الكوميدية التي تخفف قليلاً من قتامة الأحداث.
<< رغم أني أحبها قاتمة تمامًا XD ! 

لكن المختلف بشـأن هذه الدراما هو كيف تناولت فكرة المجرم أو القاتل المتسلسل، فنحن هنا لسنا بصدد شخص تعرض لضغط ما فلم تتحمل أعصابه فذهب لينتقم ..يعميه غصبه ثم يندم على فعلته. ولن نرى أيضًا فكرة القاتل المتسلسل الذي خانته زوجته الشقراء، فذهب ليقتل كل الشقراوات الذي يلتقي بهن فيرتكب جريمته والزبد يسيل من شدقيه .. للجريمة المتسلسلة هنا تكنيك وأبعاد، للوحش الذي أنطلق يقتل "سنوات حاسمة" مثيرة للاهتمام، ومبدأ للقتل يكاد يقنعك بأنه ليس بذلك السوء!
لو توخينا الدقة فهناك في الدراما قاتلين لهما علاقة بالقصة الأساسية -أحدهما "جون-يونج"- ..وأعترف أني أحببت أحدهما، ولم أستطع كره الآخر! 


يكمل "جون- يونج" حديثه مع "هيون": هناك طفل وُلد جميلاً. وقال الآخرون :"يالجماله" .. "كم هو جميل"، فأصبح يرى نفسه جميلاً. وهناك آخرون أغبياء منذ ولادتهم.وأصبحوا أغبياءً لأن الآخرين دعوهم بالأغبياء. وأيضًا.. هناك مَن كانوا وحوشًا منذ ولادتهم، يراهم الناس وحوشًا، ويدعونهم وحوشًا، لذا أصبحوا وحوشًا. 
بماذا يدعوك والدك؟ كيف يراك؟ "

فهناك بعض الأشياء الغامضة التي تدور في منزل الطبيب النفسي، وطفليه الصغيرين..بعض الكائنات الصغيرة المقتولة، رسومات غريبة تميل للعدوانية هنا وهناك، والطبيب النفسي الذي يرى "هيون" متلبسًا بدفن جثة حيوان صغير. 





الدراما مليئة بالتشويق والأسئلة التي ستجيبها الأحداث المتسارعة نحو النهاية، لكني رأيت فيها أيضًا الكثير من التساؤلات عن الوحوش وكيف خُلقوا..ستجعلك الدراما تتساءل من جديد التساؤل الطفولي الذي طرحه "جون يونج" في الحلقة الأولى: لماذا يؤذي الناس الآخرين ؟؟  لكن أيضًا... لماذا لا يمكن لهم أن يؤذوا الآخرين؟"
ستجعلك تتساءل كيف كانت "السنوات الحاسمة" في طفولتك؟ وأي نوع من الوحوش بداخلك؟

وتتساءل هل الوحوش وحوش حقاً..أم يمكنك أن تلتقيهم مُرّحِبًا؟؟


* من أغنية الدراما "Remember" غناء "Dear Clould"



الاثنين، 7 سبتمبر 2015

رأيت الغربة ... "رأيت رام الله"





"الغريب هو الشخص الذي يجددُ تصريح إقامته. هو الذي يملأ النماذج ويشتري الدمغات والطوابع، هو الذي عليه أن يقدّمَ البراهين والإثباتات. هو الذي يسألونه دائمًا: من وين الأخ؟"
"هو الذي تنعطب علاقته بالأمكنة، يتعلق بها وينفر منها في الوقت نفسه." 


يحكي لنا الشاعر مريد البرغوثي عن عودته لزيارة "رام الله" بعد سنوات غربة طويلة، قاربت الثلاثون عامًا. ويبدأ حكايته بالوقت الذي قضاه منتظرًا قبل عبور الجسر المؤدي إلى الضفة الغربية. نصاحبه في زيارته لرام الله وما رافقها من رحلة داخلية عبر ذكرياته ومشاعره. 

"الغريب هو الذي يقول له اللطفاء من القوم: أنت في وطنك الثاني وبين أهلك. هو الذي يحتقرونه لأنه غريب، أو يتعاطفون معه لأنه غريب، والثانية أقسى من الأولى." 

**

ابتاعت أختي هذا الكتاب الصيف الماضي، وظل على لائحة الانتظار طويلاً، فرغم تشوقي لقراءته كنت أخشى البدء. وعندما قررت قراءته أخيرًا وأخذته معي هو وكتاب أو كتابين آخرين كلما حان وقت القراءة. ظل الكتاب يتنقل أسبوع أو أكثر دون قراءة. حتى أن أختي سألتني: لماذا يتنقل معكِ هكذا ولا تبدأين بقراءته! هل تعذبينه ؟!
والواقع أني كنت أخشى التماهي الشديد معه إن قرأته، كنت أخشى أن يغيّم على مشاعري بغيمة حزن وغربة تلوح في أفُقي الداخلي مؤخرًا. ولأن توقعاتي قلما تخيب، حدث ما خشيت، وتماهيت معه أيما تماهي، وتكاثفت غيوم الحزن والغربة بداخلي. لكن أظلم الكتاب إن قلت أن هذه الغيوم الوحيدة التي جعلها تتكاثف!
فالكاتب لا يحكي لك عن مأساة غربته راغبًا منك التعاطف معه، ولا يندب حكايته بأسلوب الرثاء للذات الذي يجعلك تعاف التفاعل مع التجربة، لكنه يكتب الصورة كاملةً كإنسان يمر بمحنه..ما رآه وشعر به، المحزن في الأمر، والمثير للسخرية فيه، الفواجع التي تمر بها فلطسين، ولحظات الفرح العابرة، اليأس الذي استفحل وكاد يبتلع القضية وبوارق الأمل التي تلوح أحيانًا.
ستشعر بثراء المشاعر الإنسانية أثناء قرأتك، ستفهم مجددًا وبوضوح أكبر معنى القول الشهير "شر البلية ما يُضحك".
وإن لم تكن ولدت في المنفى مثلي، سيجعلك ترى ملامح الغربة كاملةً.


- أولها شارة "مؤقتًا" التي ستعلقها على جُلّ ما تفعله في حياتك...

"منذ الـ 1967 وكل ما نفعله مؤقت و"إلى أن تتضح الأمور"...والأمور لم تتضح حتى الآن بعد ثلاثين سنة! حتى ما أفعله الآن ليس واضحًا لي، أنا مندفع باتجاهه ولا أحاكم اندفاعي. وهل يكون الاندفاع اندفاعًا إذا حاكمناه!
في نكبة 1948 لجأ اللاجئون إلى البلدان المجاورة كترتيب "مؤقت"..تركوا طبيخهم على النار آملين العودة بعد ساعات!
انتشروا في الخيام ومخيمات الزنك والصفيح والقش "مؤقتًا". حمل الفدائيون السلاح وحاربوا من عمان "مؤقتًا" ثم من بيروت "مؤقتًا"  ثم أقاموا في تونس والشام "مؤقتًا". وضعنا برامج مرحلية للتحرير "مؤقتًا".... قال كل منا لنفسه ولغيره "إلى أن تتضح الأمور." " 


- وثانيها أنك ستتعلم الكثير عن الحب الغيابي: 
"كيف غنيت لبلادي وأنا لا أعرفها؟ هل أستحق الشكر أم اللوم على أغانيّ؟ هل كنت أكذب قليلاً؟ كثيرًا؟ على نفسي؟ على الآخرين؟
أي حُب ونحن لا نعرف المحبوب؟ ثم لماذا لم نستطع الحفاظ الأغنية؟ ألأنّ تراب الواقع أقوى من سراب النشيد؟ أم لأن الأسطورة هبطت من قممها لهذا الزقاق الواقعي.
.... لكن هل بقي للغريب عن مكانة إلا هذا النوع من الحب الغيابي؟ هل بقي له إلا التشبث بالأغنية، مهما تشبثه مضحكًا أو مكلفًا؟."


- وثالثها أنّه حتى لو ابتسمت لك الحياة على سبيل التغيير، ستظل غصة الغربة في حلقك 
"أنت لا تبتهج فورًا بمجرد أن تضغط الحياة زرًا يدير دولاب الأحداث لصالحك. أنتَ لا تصل إلى نقطة البهجة المحلوم بها طويلاً عبر السنوات وأنت أنت. إن السنوات محمولة على كتفيك. تفعل فعلها البطيء دون أن تقرع لك أي أجراس."


- ورابعها أنّ "الغربة لا تكون واحدة، إنها دائمًا غُُربات.
غُربات تجتمع على صاحبها وتُغلق عليه الدائرة، يركض والدائرة تطوّقه. عن الوقع فيها يغترب المرء "في" أماكنه و"عن" أماكنه. أقصد في نفس الوقت.
يغترب عن ذكرياته فيحاول التشبث بها. فيتعالى على الراهن والعابر. إنّه يتعالى دون أن ينتبه إلى هشاشته الأكيدة، فيبدو أمام الناس هشًأ ومتعالًا. أقصد في الوقت نفسه."


وخامسها أنّك حتى عندما تعود للوطن سيتسلل لداخلك الشعور بالغربة.. 
"لم يكن من حقي الشعور بتلك الرعشة الخفيفة، لكني شعرت بها.
أردت فعلاً أن يعرفني أحد. حتى ذلك الشيخ الذي يسير ببطء وتأمل لم يعرفني ولم أعرفه. لم أسأل من يكون. لم أسأل.
سخيف أن تطرح في مسقط رأسك أسئلة السياح: من هذا وما هذا...إلخ.
أليس كذلك؟" 


وأنا أقلب صفحات الكتاب بين يديّالآن، رأيت الكثير مما يُقتبس، وراودتني نفسي على الكتابة أكثر، وبدأ عقلي يفكر بترتيب ما أعرض فيه  ما تبقى من حديثي وشعوري بشأن هذا الكتاب. ثم عدلت عن رأيي، هذا الكتاب تجربة إنسانيّة ثرية، عليك قرأته لتمر بها، وغالبًا ما ستراه فيها أنت غير ما رأيته أنا، وما سينحته الكتاب في تلافيف ذكرياتك قد لا يمت بصلة لما نحته في تلافيف ذكرياتي، لكننا سنرى نفس الصورة التي رسمها  لها حينما عاد ورأى رام الله. 


الجمعة، 4 سبتمبر 2015

إن كنت أحبه حقًا !








ببساطة ..أنا أحب الدراما، وأحب الموسيقى الكلاسيكية، لذا حينما يجتمع الاثنان أهيء نفسي لجرعة من الإلهام، أو على الأقل لمقطوعات جديدة سأسمعها وأتعرف عليها عبر الدراما.
الإلهام الذي أتحدث عنه قد يأتني من مشهدٍ قصير، ربما أعتبره ثمرة مشاهدتي لكل تلك الحلقات الطويلة.
أعلم أن رواية مشهد محدد ليس بالأمر الممتع، ولا يوف الدراما أو الممثلين حقهم، فالقارىء هنا ليس مُلمًا بخلفية الشخصيات والأحداث، لكن سأحاول إيصال الصورة حتى أصل للمشهد المعني. 


في دراما "Tomorrow's Cantabile"، تعرفت على عازف التشيلو اللطيف دائمًا، الذي يلمس عزفه شغاف قلوب الجمهور بشكل مبهر، وفوق كل هذا هو عبقري وطالب في معهد جوليارد العالمي.. من يتابع الدراما الكورية كثيرًا يعرف أن هناك شخصيات ترسمها السيناريست بحيث يستحيل ألا يحبها المشاهد، ذلك العازف كان أحد هذه الشخصيات، وككل الشخصيات التي يحبها المشاهد جدًا يجب أن تضع السيناريست اللمسة المأساويّة  المعتادة حتى تتلذذ برؤيتنا نعاني مع تلك الشخصية، فهي تحسب أن إبكاء المشاهد أحد المتطلبات الأساسية في صنعتها! عازف التشيلو -اللطيف دائمًا وأبدًا- يده مصابة، وعصب يده بحاجة لعملية جراحية حتى يتوقف الألم الدائم وتعود يده لطبيعتها، لكن بعد تلك الجراحة احتمالات عودته لعزف التشيلو ضعيفة جدًا! 
كان من المفترض أن يخضع لتلك الجراحة، لكنه بعد أن سمع بطلة الدراما تعزف إحدى المقطوعات ، رغب بأن يستطيع العزف بانسيابية مذهلة مثلها ، وأراد أن يقوم بآداء ثنائي معها، قام جاهدًا بإقناعها، والتدرب معها رغم الألم الشديد الذي يجتاحه كلما عزف.

ويوم الحفل، وحينما حان موعد البروفة النهائية قبل الحفل بساعات، راودت البطلة -وهي طالبة في معهد موسيقي- كل المخاوف القديمة التي تصاحبها كلما عزفت أمام جمهور..حينها رأى البطل أن إلغاء العزف الثنائي أمر محتوم، وذهب ليبلغ عازف التشيلو بذلك، ليفاجئ بإصراره الشديد على الآداء مهما كانت الظروف ، يستنكر البطل تغيُّر عازف التشيلو المفاجيء، وتلاشي لطفه المعتاد، ويطالبه أن يقنعها بلطف كما يفعل دومًا.. حينها يلاحظ أن اليد اليسرى للعازف ترتعش، ويتذكر موقف منذ بضعة أيام عندما رأى عازف التشيلو يتلوى ألمًا لمجرد أنه أبعد له يده ببعض القوة..

يسأله عن حال يده، التي تبدو غير مؤهلة للعزف أصلاً، عن نوع الإصابة ولماذا يتحامل على يدٍ متعبة فعلاً!
حسنًا، حسنًا.. سأترجم الحوار من المشهد حتى أضعكم في الصورة XD ! 

البطل: أنت لست في حالِ يسمح لك بالعزف..أليس كذلك؟
عازف التشيلو: يمكنني العزف! 
البطل: العزف الثنائي ملغي.
عازف التشيلو : أنت تبالغ ! لن تُدّّمر يدي بسبب آداء واحد! 
البطل: إن كنت لازلت تشعر بالألم حتى بعد تناول المسكنات فهذا يعني أن وضعك خطير.
  لن أدع ذلك يحدث. سأبلغ المعهد بالأمر. 

عازف التشيلو: لا تتدخل فيما لا يعنيك! سأعزف اليوم كما هو مخطط.
  بذلت الكثير حتى أستطيع التماسك حتى الآن!

عازف التشيلو: متى ..بدأت بالعزف على البيانو؟  ربما منذ نعومة أظافرك.
وأنا أيضًا... في ذكرياتي أنا دائمًا مع التشيلو.
قيل لي أني بدأت بتعلم العزف منذ كنت في الثالثة من عمري.
مضى عشرون عامًا على ذلك.
لو أجريت الجراحة على عصب يدي فاحتمال قدرتي على عزف التشيلو مجددًا تقارب الصفر.
وحتى لو عزفت مجددًا... كم سأستغرق من الوقت حتى استطيع العزف بنفس المهارة؟
آداء اليوم هو وداعي لصديق العشرين عامًا.
إنّه قداس موتى أقدمه لذلك الصديق. 

البطل: يالك مِن ثرثار!   قداس موتى؟  هذا يعني أن وضع يدك خطير حقًا!
لو أني مكانك لعالجت يدي أولاً بدلاً من الثرثرة!
لم أكن لأقوم بشيء يُجهد يد تتألم أصلاً!

عازف التشيلو: لا تقل ما تشاء لمجرد أنها ليست مشكلتك! 
-- --
البطل: ماذ؟ قداس موتى؟
أنت لم تعالج يدك حتى تقوم بهذا الآداء؟
لو أني مكانك لما فعلت ذلك أبدًا !
سأعزف ثانيةً حتى لو كان عليَّ أن أحصل على يدين جديدتين! 

عازف التشيلو: أحصل على يدين جديدتين؟
أعود لما كنت عليه في الثالثة من عمري، وابدأ من جديد؟


البطل: إن كنت أحبه حقًا.. ما كنت لأستسلم حتى لو كان عليَّ التعلم مع الأطفال.
أنتَ لا تملك الثقة لتبدأ من جديد..لهذا أنتَ تهرب مبتعدًا. 






ينتهي مشهدي الملهم هنا :D ! لكن سأخبركم أن البطلة تمالكت خوفها وذهبت للبروفة النهائية، ليعتذر عازف التشيلو عن تأخره عليها .. تشكره البطلة على عزف هذا الثنائي لأنه بداية جديدة لها .. بداية لكل ما هو آتٍ مهما كان. 
أثناء البروفة يتوقف عازف التشيلو عن العزف، متذكرًا كلمات البطل...ثم يلتفت معتذرًا لها عن أنانيته، لأنه كان يريد من آداء اليوم أن يكون قُداس موتى بينما تعتبره هي بدايةً لها.
غادر لأنه لم يرد تقديم قداس موتى لصديقه القديم، فهو
الآن يمتلك الشجاعة ليبدأ من جديد !


*** 


منذ بضعة أيام كنت أشاهد فيلمًا عن ثلاثة شباب في العشرين من عمرهم، كان أحد الشخصيات يتسائل في مندهشًا لماذا لا يتوقف الناس عن إخبارهم أن تلك السنوات هي أفضل سنوات العمر، فهم في حيرة من أمرهم والفوضى تضرب أطنابها في حياتهم، تتجاذب أطرافهم الأحلام البراقة تارة والواقع الأليم تارة أخرى... تساءل حينها أيضًا إن كان الناس يتحدثون عن وضع البشرة :D !  
< التي تكون في أحسن حالاتها في العشرينيات من العمر. 
المهم أن نفس الشخصية اهتدت إلى أن ما يقصده الناس هو الوقت والشجاعة اللذان يملكهما فتى العشرين مما يمكنه من الاستدارة في منتصف الطريق متى لاحظ أنه حاد عن ما يريد، ليعاود البدء مجددًا. 


وكما فعل صديقي العزيز عازف التشيلو، سأتملك الشجاعة لأبدأ مجددًا.
ربما عليّ قول ابدأ مجددًا في ماذا تحديدًا؟
حسنًا.. القائمة تطول.. تترأسها الدراسة والترجمة..ثم الكتابة والإلهام والموسيقى، الشغف والصداقة ...وحتى لو بدى ذلك مضحكًا الطهي موجود في القائمة XD ! 



*** 

وأنا أترجم الحوار بين البطل وعازف التشيلو استوقفتني عبارة " If I really like it"...
هل يقصد بها "like it" أحب أو رغب أو شاء، فأترجمها: إن كنت أرغب بذلك حقًا!
أم المقصود بها "أحب" و الـ "it" عائدة على الصديق : البيانو / التشيلو!
فأترجمها إن كنت أحبه حقًا..

ثم توقفت عن التساؤل، فالإلهام يريد إيقاعي في شرك الاختيار، هل أنا أحب ذلك؟ أم أرغب فيه؟
ربما الرغبة تبدو أقوى قليلًا ككلمة ..لكن حبي للشيء هو ما يولد رغبتي بفعله أو امتلاكه.
حسنًا أنا أحبها حقًا وأرغب فيها أيضًا! ... كل تلك الأشياء المذكورة في القائمة سأبدًا معها قصة صداقة جديدة :D !!



*** 





                   


الثلاثاء، 11 فبراير 2014

زرنيخ!

مَن شاهد دراما بتهوفن فيروس، قد يتذكر هذا المشهد، الذي أراه يمثل فلسفة حياتيّة تؤثر علينا..
فالمايسترو الذي لا يعجبه عزف المحترفين عادةً، لم يطق صبرًا على تحمل فرقة مِن الهواة

" -  دو-ري-مي: ألا تعتقد أن أعضاء الفرقة الموسيقيّة جميلون، بالنسبة لهم الموسيقى شيء غاية في الصعوبة لكنهم لازالو ...


- مايسترو كانج: اعزفي، مَن يمعنكِ؟ ولكن ليس على خشبة المسرح، اعزفي في أحد أركان بيتك.وإذا لم يعجبكِ ذلك بإمكانكِ عزف الموسيقى في الفناء، أو انضمي لفرقة غنائية..لماذا عليهم الأداء على المسرح ؟ هذا غرور!

- دو-ري-مي: ولكن لا نستطيع التخلي عن ذلك، فنحن نملك فرصة نادرة ...
- مايسترو كانج: لا يوجد شيء لا تستطيعين التخلي عنه، عليكِ أن تملكي الشجاعة للتعرف على مستواكِ، نعم هذا مستواي، لهذا لا أستطيع أن أكون نجمة، وحتى عندما أموت وأبعث مرة أخرى، أستطيع فقط أن أكون ضمن المستمعين، واستمعي إلى الحفلات المشهورة لتقولي "أووه، هذا ما يجب أن تكون عليه الأوركسترا"
لماذا عليكم التطوع بأنفسكم مادام هناك أشخاص جيدين فعلاً في مجال الموسيقى.
وُجِدت الموسيقى الكلاسيكية للأرستقراطيين. هل تعتقدين أن هذا سيتغير مع مرور الزمن؟

- دو-ري-مي: نعم...نحن أشخاص مثيرون للشفقة، بلا وقت أو مال أو قدرات..إذًا هل يجب علينا أن نذهب ونموت ؟أيجب ألا ينخرط العامة في الفن...هل وضع أحدهم تلك القوانين؟ ...العامة؟ الأرستقراطيون؟ هل كنت تعلم أن موتسارت كان عبدًا منذ ولادته؟
تبعًا لقوانينكِ فإن "موتسارت" كان عليه أن يحرث الأرض ويحلب الأبقار، أو يمسك بالجرذان ليكسب عيشه. لو كنت مايسترو حينها، كانت لتُدفن الكثير من المواهب الموسيقيّة. "

لسببٍ ما ترك هذا المشهد أثرًا بداخلي، حتى أني لازلت أذكره بعد مرور سنوات على مشاهدتي للدراما، ربما لأن معظم الناس لازالوا يفكرون ويتصرفون كهذا المايسترو، ولازالت الدنيا تحدد مجالات ومساحات محددة لكل شخص، فهذا لا يمكنه دخول هذا المجال أو ذاك، بل أراهم يقصرون إمكانيات النجاح أوالإنجاز على أشخاصٍ بأعينهم، فبعض الناس يستحق النجاح وبعضهم ستُحال حياته جحيمًا إن حاول !
وبعد هذا يأتي كلام الناس، هذا فعل لكن ذاك لم يقدر، هذا نجح، وذاك كان أكبر فاشل في تاريخ الكوكب، يعطون أنفسهم الحق لنقد الآخر، لوضعه في حيز ما أنزل الله به مِن سلطان، يصنفونه ثم ينتقدونه ويعيّرونه بفشله، وأنهي القائمة الطويلة بالمقارنة، التي أراها عبثية جدًا، وخالية مِن كل منطق، فالمرء لا يدرك ظروف غيره، لا يدرك أي بيئة نشأ فيها، أي ظروف واجه، أو ما المشاكل التي يتعثر بها في طريقه.
هُم يريدونا أن نستمتع بأحلامنا مع أنفسنا، فلأكن مَن أكون في غرفتي فقط، لكن لا يحق لي أن أصعد على خشبة الحياة لأؤدي دورًا ما دون موافقة الجميع ودون الخضوع للمتطلبات العرفية الصارمة!


لسببٍ مجهول مجتمعنا يرى النجاح أو تحقيق الأحلام مشروطًا بقائمة من المتطلبات تختلف مِن شخص لآخر، فعليه أن يكون عبقريًا، أو بجمال فينوس أو يمتلك مال قارون، هناك شروط لتُفتح البوابة السحرية لتحقيق ما يريد، وإلا فليذهب لأقرب جحيم، وواجبهم حينها هو التلذذ برؤيته يتلظى هُناك.

بعد كل هذا، لا أستغرب إن كان ساليري قد وضع الزرنيخ لموتسارت حقًا!



الجمعة، 13 سبتمبر 2013

I dwell in possibility !




بدافع فضولي المعرفي العزيز سجلت في أحد المواقع في دورة للشعر الأمريكي المعاصر، لا توقعات مسبقة..فاطلاعي على الشعر الأمريكي محدود جدًا، وإن قرأت فغالبـًا تكون النصوص المترجمة هي ما أجده في طريقي..
لكن مع البداية شعرت بشغف خفيف، وقلق من عدم الاستيعاب أو التأقلم مع لعبة تعليمية جديدة، فرغم كل سنين الدراسة تلك لم تتضمن مناهج اللغة الإنجليزية أي نصوص شعرية..وهو لعمري شيء غريب ومحبط ! 

مع أول قصيدة بدؤا في مناقشتها بدأ شغفي بالأمر يتزايد.. I dwell in Possibility   !
قرآتي قبل بداية التحليل كانت نتيجتها الكثير من علامات الاستفهام، رغم الكلمات البسيطة التي استخدمتها إلى أن المغزى بقى مستعصيـًا مبهمـًا بالنسبة لي، فحتى لو كان مستوى معرفتي باللغة الإنجليزية لا بأس به وجدت في نفسي حالة افتقار تام للقدرة على استشفاف المعنى أو حتى الإحساس من القراءة الأولى كما يحدث في الشعر العربي..لتتأكد وجهة نظري بأن الثقافة اللغوية والإحساس الجمعي بالمفردات شيء خاص بلغتك الأم ولن تكتسبه إلا بعد محاولات عديدة مع أي لغة أخرى !

 حينما بدأت المناقشة بدأت الاحتمالات في الظهور .. بدأت الرؤية تتضح، لأجد في النص احتمالات أخرى خاصة بي، ولأدرك أن إحساسك باللغة وفهمك لها يتغير كليـًّا لو درستها وتذوقتها من منظور فني كالشعر ! 

تلك القصيدة تحديدًا، جعلتني أبلور مفهومـًا عن الأدب عمومـًا والشعر خصوصـًا، فدنيا الاحتمالات الشعرية التي تراها ديكنسون منزلها، أجدها حرفة الأدب وسر روعته، فالاحتمالات اللانهائية هي ما تجعل الأمر فنـًا..لأن كل قاريء يجعل النص ملكه بشعوره وحده الذي لن يماثل شعور أي قاريء آخر ! 

وبقدر ما تحويه القصيدة من انفتاح حسي يسكن خيال ديكنسون بعكس حياتها الواقعية، بقدر ما وصل لي إحساسها براحتها من احتلال الشعر لوجودها.. عندما انتهوا من مناقشة القصيدة شعرت بأن الإحساس بدأ يصلني كما يحدث عندما اقرأ قصائد درويش أو الشابي ..أو لنقل وصلني الكثير منه، وهذا في حد ذاته مثير بما يكفي برأيي ! 


الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

أميرة الماس.. سارة





العام الماضي قرأت "الحديقة السرية The Secret Garden   " ولازلت أذكر مدى الحيوية والحماس اللذن أصاباني بسبب قراءتها.. كانت طفولية إلى حد كبيرة ، لكن رغم هذا تماهيت معها أيما تماهي .. شعرت بالغرابة من انفعالي واستمتاعي إلى هذا الحد برواية تصنف كرواية أطفال ! 


ولتكرار تلك التجربة المبهجة قررت قراءة شيء آخر لنفس المؤلفة، فكانت قراءتي لرواية " الأميرة الصغيرة A little princess "   ومع الفصل الأول اكتشفت معرفتي بقصتها ، فلا يمكنني نسيان الآنسة منشن ، ودميتها إيميلي  .. ولسبب ما اختارت شركة الدبلجة تغيير اسم سارة لـ سالي في مسلسل الأنمي الذي تابعت بعض حلقاته منذ زمن .. أذكر مسحة الحزن والبؤس التي تحتويها القصة ، ورغم تبدد أملي ببهجة أثناء القراءة أكملت رحلة سارة، ولم تخيب الكاتبة ظني، رغم الأسلوب البسيط والشخصيات المحدودة، الرواية ممتعة. 


فلا يمكنك ألا تحب سارة، ولن تتوقف عن الاستمتاع بما تختلقه بخيالها لتتغلب على ما أصابها، فبعد ما كانت محط أنظار كل طالبات مس منشن، بعد موت والدها أصبحت أقرب للخادمة، جردتها مس منشن من كل شيء، لكن بقي لسارة خيالها المبهر الذي أصرت فيه على أنها ورغم كل ما يحدث لها ستكون أميرة، وستتصرف كأميرة، فمن السهل أن تتصرف كأميرة وهي في وضعها السابق تمل كل ما تريد من أشياء أو مال وحاشية !

كم سيكون صعبـًا أن تبقى أميرة وهي تُعامل كخادمة من الجميع تقريبا، سيكون اختبارًا حقيقـًا لها ولرغبتها ..بألا تكون أي شيء آخر سوى سارة ..الأميرة سارة، مهما رأت ومهما حدث لها .. حتى لو سكنت في غرفة بائسة وباردة على السطح وحتى لو تلطخت ثيابها بوحل المطر، ستبقى كما هي ! 


انتهت الرواية نهاية سعيدة كالحديقة السرية، وعادت لسارة ثروتها وأصبح رفيق والدها بمثابة أب جديد لها، ولا أرى مشكلة بأن تنهي رواياتها بطريقة سعيدة .. لا داعي لأن نعلم الأطفال منذ البداية أن النهايات السعيدة شيء مستعبد وخيالي !


 كان شعوري أثناء القراءة أن تلك الروايات كان ينبغي قراءتها عندما كنت صغيرة، فمدى ما تمنحه تلك الرواية من أمل على مقاومة كل شيء مهما كان صعبـًا  لتبق كما تريد أنت أن تكون ، حتى لو تحملت النظرة الدونية من الآخرين ، تثابر وتحتفظ بصورتك كما هي رغم أنفهم، هذا شيء ينبغي تعلمه منذ زمن، وقدمته الرواية بطريقة بسيطة إلى حد خلاب !
ستعلمهم سارة كيف يكون الخيال سلاح جبار لتصنع يوتوبيا خاصتك حتى تمر العاصفة، بلا أن تحن رأسك فأنت تتحمل كل شيء بطريقتك وبخيالك، تتحمله باستمتاع أحيانـًا لأنه يثبت لك كم أنتَ صلبـًا ولاتتنازل.. وأنك ستكون يومـًا ما تريد .. كما فعلت هي ! أن تتأ

الاثنين، 2 سبتمبر 2013

لتر واحد من الدموع




أن تتخلى عنك قدراتك واحدة تلو الأخرى ..ليس بالشيء السهل، أن تبدأ بأعراضٍ بسيطة مثل اختلال توازن وتنتهي لإنسان لا يقدر على الكلام أو الحركة أو الأكل.. والأدهي أن كل هذا مع عقل كامل الوعي.. ويبق كل المتاح لك هو التواصل بإصبع بطيء يتحرك بتثاقل على لوحة الأحرف..لتخبرهم-بعد عناء- بما تريد !



كانت بدايتي مع "آيا" تدوينة لصديقة لي في إحدى المنتديات، كتبت فيه عن دراما/مسلسل "لتر واحد من الدموع"
أذكر أن فضولي دفعني للمشاهدة حينها، فأصبحت تلك الدراما مِن أكثر ما شاهدت إلهامـًا في حياتي ..
ولتزيد المناديل بلّة كان اسم البطلة ينطق كاسمي "آيا" .. ليكون تأثري معها أكبر !
ومنذ انهيتها وددت لو أجد تلك اليوميات التي قامت على أساسها الدراما !


يستهجن الكثيرون مشاهدة أو قراءة شيء مثل هذا، باعتبار أنه ليس من الذكاء أن يشاهد المرء أو يقرأ شيئـًا يحتوي على كل هذا القدر من الكآبة ، فالدنيا بائسة بما يكفي ولسنا بحاجة للمزيد.. فيكون جوابي دائمـًا : " لكنها كآبة مشبعة بالأمل " !
فأكثر ما سيدهشك ويجعلك تمتلىء احترامـًا تجاه آيا هو مقاتلتها حتى النهاية، رغم معرفتها بألا أمل من العلاج و أن حالتها فقط ستزداد سوءًا فمرضها – ضمور المخيخي 
spinocerebellar degeneration- سيأتي على قدراتها واحدة تلو الأخرى .. ثابرت بقدر ما استطاعت حتى تؤخر من تقدم المرض، لم تركن للراحة رغم معرفتها بأن النهاية واحدة لن تتغير مهما فعلت ! 


أحد المشاهد التي لا أنساها في الدراما عندما كانت تكتب حتى يسقط القلم من يدها، فمع صعوبة حركتها التي تسوء باستمرار أصبحت حتى الكتابة مجهودا ليس بالسهل عليها، كانت آيا تكتب لأنها تخشى ألا تتمكن غدًا من الكتابة.
كانت تريد أن تترك أثرًا وأن تشعر بأنها حتى مع حالها هذه بإمكانها مساعدة الناس بطريقةٍ ما !
لو تعرف كم ألهمت الكثيرين، فأنا ولدت بعد موتها، وهي مصدر إلهام دائم بالنسبة لي !


علمتني آيا ألا أعتبر نعمة الصحة شيئـًا دائمـًا مستحقـًا سيظل معي للأبد، قد يأتي يومـًا وأفقد ما لدي !
علمتني أنه مهما كانت النهاية تبدو محبطة ألا أستسلم، أن أثابر حتى آخر لحظة !
جعلتني أجد شيئـًا جيدًا حتى في سقوطي "فإن تطلعت للسماء سأجدها تبتسم لي لأني لازلت حيّةً " !


من الصعب حصر ما علمته لي في نقاط، يكفي الإحساس الذي سيصلك بالمشاهدة أو القراءة ..سترى صراع مشاعرها بين إحساسها بالانهيار ورغبتها بالقوة، ستدرك مدى صعوبة أن تتمسك بأمل أنت مدرك أنه لا يفضى لشيء..ونهايةً تأكد أن آيا ستلهمك، بشكل يصعب نسيانه !